محمد أحمد خلف الله
141
الفن القصصي في القرآن الكريم
جاء القرآن والقوم يذهبون في الغالب مذهبين : الأول أن الرسول لا بد وأن يكون من الملائكة وذلك هو الرأي الذي صوّرنا أن القرآن يجري على خلافه عند حديثنا عن المعاني الاجتماعية من أن الرسول يكون من الجماعة ويكون من الذين عرفوا آمالها وأحسوا آلامها فهو أخو القوم المتحدّث بلسانهم . الثاني أن الرسول من البشر لكنه يؤيد دائما بمعجزة ومن هنا كانوا يقفون دائما في وجه الأنبياء يطالبونهم بالآيات أو البينة . وموقف القرآن هنا موقف من لا ينكر أمر المعجزة لكنه ينكر أن يتوقف الإيمان عليها أو يتعلق بها ولذا نراه يذكر المعجزات التي عرفت لمن سبق النبي عليه السلام من الرسل فيذكر معجزات موسى وعيسى كما يذكر ناقة صالح وإلقاء إبراهيم في النار . لكنه في الوقت نفسه يرى ألا تعلق لهذه بتلك فالآيات لم تأت دائما لتكون الدليل وإنما جاءت تخويفا وإنذارا ومن هنا أصبحت قليلة النفع عديمة الفائدة . يقول اللّه تعالى وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفاً « 1 » . والآيات قد تأتي الواحدة بعد الأخرى ومع ذلك لا يكون إيمان ولا ينفع مع المعارضة أي دليل . قال تعالى وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ « 2 » . وقد فطن الطبري إلى ذلك فقال عند تفسيره لهذه الآية : « يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلّى اللّه عليه وسلّم يا محمد آيس من فلاح هؤلاء العادلين بربهم الأوثان والأصنام القائلين لك لئن جئتنا بآية لنؤمن لك فإننا لو نزلنا إليهم الملائكة حتى يروها عيانا وكلمهم الموتى بإحيائنا إياهم حجة لك ودلالة على نبوّتك وأخبروهم أنك محق فيما تقول وأن ما جئتم به حق من عند اللّه وحشرنا عليهم كل شيء قبلا فجعلناهم لك قبلا ما آمنوا ولا صدّقوك ولا اتّبعوك إلا أن يشاء اللّه لمن شاء منهم ولكن أكثرهم
--> ( 1 ) سورة الإسراء ، الآية 59 . ( 2 ) سورة الأنعام ، الآية 111 .